على امتداد ساحل بحر العرب، وفي قلب واديها وصحرائها الواسعة، تقف حضرموت أمام مفارقة تبدو للوهلة الأولى عصية على التفسير؛ محافظة تمتلك النفط والموانئ والمنافذ البرية والثروة السمكية والأراضي الزراعية، وتعد من أهم المناطق الاقتصادية في اليمن، لكن مواطنها لا يزال ينتظر خدمة كهرباء مستقرة، وماءً منتظماً، وطرقاً أفضل، وفرص عمل أكثر.
فالمشكلة في حضرموت لا تبدو مرتبطة بغياب الموارد بقدر ما ترتبط بالسؤال الأهم: من يدير هذه الموارد؟ وكيف توزع عائداتها؟ وكم منها يتحول فعلياً إلى مشاريع تنموية يشعر بها المواطن؟
وتكتسب المفارقة أبعاداً أكبر حين يتعلق الأمر بالنفط؛ إذ تضم المحافظة حوض المسيلة النفطي وميناء الضبة، وكانت لعقود أحد أهم مصادر النفط اليمني. وتصف تقارير سابقة حضرموت بأنها كانت تسهم بأكثر من 80% من صادرات النفط اليمنية في فترات سابقة، قبل أن تتراجع الصناعة النفطية بفعل الحرب وتدهور الإنتاج وتوقف التصدير.
ثروة كبيرة.. لكن عائدها لا يظهر في حياة الناس
تبلغ مساحة حضرموت نحو 193 ألف كيلومتر مربع، أي ما يقارب ثلث مساحة اليمن، وتمتلك شريطاً ساحلياً واسعاً على بحر العرب، إضافة إلى منفذ الوديعة الحدودي مع السعودية، وحقول نفطية وموانئ ومقومات زراعية وسمكية وسياحية.
لكن اتساع قاعدة الموارد لا يعني بالضرورة أن السلطة المحلية تمتلك حرية التصرف فيها.
فالنفط، على سبيل المثال، ظل مورداً وطنياً تديره الحكومة المركزية، فيما أقرت ترتيبات لاحقة حصول حضرموت على 20% من عائدات النفط الخام المنتج والمصدر من المحافظة لتوجيهها إلى مشاريع التنمية. وتؤكد السلطة المحلية حالياً أن هذه النسبة تمثل حقاً مكتسباً للمحافظة.
وهنا تظهر إحدى الإشكالات الأساسية: وجود نسبة مقررة لا يعني بالضرورة وجود تدفق مالي منتظم وكافٍ.
فمنذ الهجمات التي استهدفت ميناء الضبة النفطي في أكتوبر/تشرين الأول 2022، توقفت صادرات النفط اليمنية بصورة واسعة، وهو ما حرم الحكومة من أهم مصادر النقد الأجنبي، وأفقد المحافظات المنتجة جزءاً مهماً من العائدات التي كانت ترتبط بالتصدير.
وفي يوليو/تموز 2026 أعلنت الحكومة اليمنية استئناف تصدير النفط بعد توقف طويل، مع تقديرات بقدرة أولية تقارب 60 ألف برميل يومياً من عدة قطاعات، بينها قطاعات مرتبطة بحضرموت، لكن عودة الإنتاج والتصدير تواجه تحديات فنية وأمنية ولوجستية، ولا يعني الإعلان السياسي وحده أن تدفقات الأموال إلى الخزينة أو المحافظة ستعود فوراً إلى مستويات ما قبل الحرب.
الوديعة.. مورد ضخم لا يكفي وحده
ولا تتوقف قصة الموارد الحضرمية عند النفط.
فمنفذ الوديعة البري، الواقع في مديرية العبر، تحول خلال سنوات الحرب إلى أحد أهم شرايين التجارة والسفر بين اليمن والسعودية، وحقق خلال عام 2025 إيرادات جمركية تجاوزت 167 مليار ريال يمني وفق بيانات جمركية محلية.
هذه الأرقام تطرح سؤالاً آخر: إذا كانت المحافظة تستضيف منفذاً بهذه الأهمية، فلماذا لا تتحول حركة الأموال والتجارة إلى بنية تحتية وخدمات تتناسب مع حجم النشاط الاقتصادي؟
الجواب يرتبط بطبيعة المالية العامة اليمنية؛ فليس كل ريال يتم تحصيله في حضرموت يصبح تلقائياً ريالاً متاحاً للإنفاق التنموي المحلي. جزء كبير من الموارد يخضع للموازنة العامة وآليات التحويل المركزية، كما أن الحرب أوجدت تعددًا في مراكز القرار المالي والإداري، وأضعفت قدرة الدولة على إدارة الموارد ضمن منظومة موحدة.
وقد أشار مركز صنعاء للدراسات إلى أن الإيرادات الكبيرة التي يحققها منفذ الوديعة جعلته واحداً من أهم مصادر الدخل للدولة، لكنه ظل في الوقت نفسه عرضة لمشكلات مرتبطة بالجبايات غير القانونية وتداخل النفوذ والرقابة.
إيرادات محلية محدودة أمام احتياجات محافظة مترامية
في المقابل، تكشف أرقام الإيرادات المحلية عن حجم الفجوة بين احتياجات حضرموت وإمكانات مواردها المحلية المباشرة.
فقد بلغت الإيرادات المحلية والمشتركة لمديريات وادي وصحراء حضرموت خلال 2025 نحو 4.35 مليارات ريال، بزيادة عن العام السابق، وبنسبة تحصيل بلغت 139% من الربط المقدر.
وقد تبدو النسبة مرتفعة من الناحية الحسابية، لكنها تصبح أقل إثارة للإعجاب عند وضعها أمام حجم المحافظة، وعدد سكانها، واتساع رقعتها الجغرافية، وحجم الاحتياجات في قطاعات الكهرباء والمياه والصحة والتعليم والطرق.
وهنا تكمن مشكلة أخرى: نجاح السلطة المحلية في تحصيل الإيرادات لا يعني أن لديها موارد كافية لتحقيق تنمية شاملة.
الكهرباء.. الاختبار الأكثر وضوحاً
ربما لا يوجد ملف يكشف الفجوة بين ثروة حضرموت وواقع المواطن أكثر من الكهرباء.
فالمحافظة النفطية ما زالت تعاني من اختلالات متكررة في منظومة الكهرباء، حتى مع وجود إنتاج نفطي محلي.
وفي يوليو/تموز 2025 أوضحت مؤسستا الكهرباء والنفط في ساحل حضرموت أن الكميات الاعتيادية من الوقود الواصل إلى محطات التوليد كانت في حدود 400 ألف لتر من المازوت و240 ألف لتر من الديزل يومياً، مع وجود عراقيل فنية ومالية حالت دون زيادة الإمدادات المتفق عليها.
وفي يونيو/حزيران 2026 ظل ملف الكهرباء حاضراً بقوة على طاولة السلطة المحلية والحكومة، مع مناقشات رسمية بشأن أزمة الكهرباء والوقود، فيما أكدت وزارة الكهرباء وجود ترتيبات لمشاريع استراتيجية في قطاع الطاقة.
بالنسبة للمواطن، لا تبدو القضية معقدة:
حضرموت تنتج النفط، فلماذا لا تملك كهرباء مستقرة؟
لكن اقتصادياً، المعادلة أكثر تعقيداً؛ فإنتاج النفط لا يعني أن الخام يتحول مباشرة إلى كهرباء. هناك تكاليف إنتاج ونقل وتشغيل، وحصص للشركات، والتزامات حكومية، وغياب للتكرير المحلي الكافي، فضلاً عن أن توقف التصدير أدى إلى اختناق مالي واسع انعكس على قدرة الحكومة والسلطات المحلية على تمويل الخدمات.
ومع ذلك، تبقى هذه الحقيقة غير كافية لتبديد شعور المواطن؛ لأنه ينظر إلى النتيجة النهائية لا إلى التعقيدات المحاسبية.
من النفط إلى التنمية.. أين الخلل؟
على مدى سنوات، لم تكن المشكلة في حجم الموارد وحده، وإنما في نموذج إدارتها.
فقد خلصت دراسة لمركز صنعاء إلى أن سكان حضرموت يشتكون منذ سنوات من عدم إعادة استثمار الثروة النفطية بصورة عادلة في المحافظة، ومن الآثار البيئية المرتبطة بعمليات استخراج النفط، خصوصاً في المناطق القريبة من الحقول. كما أشارت الدراسة إلى أن المطالب بالحصول على حصة من عائدات النفط تعود إلى سنوات طويلة قبل إقرار نسبة الـ20%.
وهذا يعني أن القضية الحضرمية ليست مجرد مطالبة بزيادة الأموال، بل تتعلق أيضاً بـالشفافية والحوكمة والرقابة على أوجه الإنفاق.
فحتى الأموال التي تصل إلى المحافظة تحتاج إلى مشاريع واضحة، وموازنات معلنة، وأولويات محددة، وآليات رقابة تمنع تحول الموارد إلى إنفاق استهلاكي أو مشاريع متفرقة لا تصنع اقتصاداً مستداماً.
الثروة السمكية والزراعة.. موارد خارج دائرة النفط
ويخطئ من يختزل اقتصاد حضرموت في النفط وحده.
فالمحافظة تمتلك ساحلاً طويلاً ومصائد بحرية مهمة، إلى جانب قطاع زراعي ارتبط تاريخياً بوادي حضرموت، خصوصاً في إنتاج التمور والمحاصيل المختلفة وتربية المواشي.
وتعمل السلطات وشركاء دوليون خلال السنوات الأخيرة على مشاريع تستهدف الزراعة المستدامة والتمكين الزراعي والسمكي، باعتبار القطاعين من أهم روافد الأمن الغذائي والاقتصاد المحلي.
لكن هذه القطاعات لا تزال بحاجة إلى سلاسل قيمة متكاملة تشمل التخزين والتصنيع والتسويق والتصدير، بدلاً من الاكتفاء بإنتاج المواد الخام.
وهنا يمكن أن تبدأ حضرموت في بناء اقتصاد أقل اعتماداً على النفط وأكثر قدرة على خلق الوظائف.
المشكلة الأعمق: اقتصاد ريعي في بلد منقسم
ثمة سبب آخر يجعل المواطن لا يشعر بثروة محافظته، وهو أن حضرموت جزء من اقتصاد يمني يعيش منذ سنوات حالة انقسام نقدي ومالي وسياسي.
فالنفط الذي كان يمثل العمود الفقري للمالية العامة اليمنية فقد دوره تدريجياً بسبب الحرب وتوقف الصادرات، بينما تراجعت الإيرادات الحكومية وازدادت الحاجة إلى المساعدات والتحويلات الخارجية. وبحسب بيانات نقلتها الجزيرة عن مصادر اقتصادية، تراجع إنتاج النفط اليمني إلى نحو 19 ألف برميل يومياً في 2024، بعد أن كان مئات الآلاف من البراميل يومياً في ذروة الإنتاج.
وبالتالي فإن مقارنة حضرموت الحالية بحضرموت "الغنية بالنفط" قبل الحرب قد تكون مضللة؛ فالمورد نفسه لم يعد ينتج الكميات السابقة، والمنظومة التي كانت تحول النفط إلى صادرات وإيرادات دولارية تعرضت للتفكك.
لماذا لا يشعر المواطن بالثراء إذن؟
يمكن اختصار الإجابة في خمسة أسباب رئيسية:
أولاً: تراجع الإنتاج والتصدير النفطي نتيجة الحرب والهجمات على الموانئ والمنشآت النفطية.
ثانياً: مركزية إدارة الموارد، إذ لا تملك السلطة المحلية السيطرة الكاملة على جميع الموارد التي تُحصّل داخل المحافظة.
ثالثاً: الانقسام المالي والسياسي الذي أضعف قدرة الدولة على إدارة الإيرادات ضمن نظام موحد وشفاف.
رابعاً: ضعف البنية التحتية والخدمات، خصوصاً الكهرباء والمياه والطرق، وهي قطاعات تحتاج إلى استثمارات ضخمة ومتواصلة.
خامساً: غياب اقتصاد إنتاجي متنوع يجعل المحافظة تعتمد بصورة كبيرة على النفط والتحويلات والنشاط التجاري، بدلاً من تحويل مواردها الزراعية والسمكية والسياحية إلى قطاعات اقتصادية مولدة للدخل والوظائف.
ما الذي يمكن أن يغيّر المعادلة؟
لا يبدو الحل في زيادة حصة حضرموت من الموارد فقط، رغم أهمية ذلك، وإنما في بناء نظام اقتصادي محلي أكثر شفافية وكفاءة.
وتحتاج المحافظة إلى آلية معلنة لإدارة حصتها من الموارد، تتضمن نشر الإيرادات والمصروفات، وربط الإنفاق بمشاريع استراتيجية، مثل محطات الكهرباء، وتحسين شبكات المياه، والطرق، والمستشفيات، والتعليم، وتطوير الموانئ والمطارات.
كما أن استئناف تصدير النفط بصورة مستقرة يمكن أن يوفر فرصة جديدة، لكن نجاحها يتوقف على ما يحدث بعد وصول العائدات إلى الحسابات الحكومية.
فالاختبار الحقيقي ليس: كم برميلاً ستصدر حضرموت؟
بل: كم من عائدات هذا النفط سيتحول إلى كهرباء في بيت المواطن، وماء في منزله، وطريق أمامه، ومستشفى يخدمه، ومدرسة لأبنائه، وفرصة عمل لشبابه؟
وفي نهاية المطاف، فإن ثراء حضرموت لن يقاس بعدد حقول النفط أو حجم الإيرادات التي تدخل خزائن الدولة، وإنما بقدرة هذه الموارد على تحويل حياة سكانها إلى مستوى أفضل بصورة مستدامة.
ولهذا فإن السؤال الذي يزداد حضوراً في الشارع الحضرمي ليس فقط: كم تملك حضرموت؟ بل: أين تذهب ثرواتها، ومن يقرر كيفية إنفاقها، ومتى يشعر المواطن بعائدها؟
وتبقى الإجابة عن هذه الأسئلة مرتبطة بثلاثة شروط: إدارة محلية فاعلة، وشفافية في الموارد، واستقرار سياسي وأمني يسمح بتحويل الثروة من مصدر للصراع إلى محرك للتنمية.

