مع انطلاق عام دراسي جديد في حضرموت، انشغلت المدارس بترتيب الفصول والكتب والجداول الدراسية واستكمال احتياجاتها من الكوادر، لكن خلف هذه الاستعدادات يبرز ملف أكثر تعقيداً يمس أحد أهم أركان العملية التعليمية( الوضع المعيشي والوظيفي للمعلم).
فبين راتب تتآكل قدرته الشرائية، وأسعار ترتفع بوتيرة أسرع من الدخل، والتزامات أسرية لا يمكن تأجيلها، يجد كثير من العاملين في قطاع التعليم أنفسهم أمام معادلة صعبة: كيف يواصل المعلم أداء رسالته داخل الفصل، بينما يزداد الضغط على معيشته خارجه؟
ولا تنفصل هذه الأزمة عن الوضع الاقتصادي الذي يعيشه اليمن عموماً، إلا أنها تكتسب في حضرموت خصوصية إضافية، بالنظر إلى ما تمتلكه المحافظة من موارد اقتصادية، مقابل استمرار النقاش حول أوضاع المعلمين والمتعاقدين وانتظام المستحقات ونقص الكوادر التعليمية في عدد من التخصصات.
ففي أغسطس/آب 2026، ناقشت السلطات في وادي حضرموت عدداً من هذه القضايا، في مقدمتها انتظام صرف رواتب العاملين في القطاع التربوي، وأوضاع المعلمين المتعاقدين عبر صندوق دعم التعليم، واحتياجات المدارس من الكوادر وسد النقص في بعض التخصصات.
«الراتب لم يعد يقاس بقيمته.. بل بما يشتريه»
بالنسبة إلى المعلم، لا تكمن المشكلة الأساسية في الرقم المدون أمام خانة الراتب فحسب، وإنما في القيمة الحقيقية لما يستطيع ذلك الراتب توفيره للأسرة.
فارتفاع أسعار الغذاء والنقل والطاقة والخدمات الصحية والسكن وغيرها من الاحتياجات الأساسية يعني عملياً تراجع القوة الشرائية للدخل، حتى إذا ظل الراتب ثابتاً من الناحية الاسمية.
وهنا تتسع الفجوة تدريجياً بين دخل الأسرة وتكاليف المعيشة؛ إذ يظل المعلم مرتبطاً براتب شهري ثابت، في حين تتغير أسعار السلع والخدمات باستمرار، ما يدفع الأسرة إلى تقليص بعض نفقاتها أو تأجيل احتياجاتها أو البحث عن مصادر دخل أخرى.
ولا تقف انعكاسات هذه الضغوط عند حدود المنزل؛ فكلما ازدادت الصعوبات المعيشية، أصبح من الصعب على المعلم الفصل الكامل بين ظروفه الاقتصادية ومسؤولياته داخل المدرسة.
وتشير تقارير للبنك الدولي بشأن قطاع التعليم في اليمن إلى أن اضطراب صرف رواتب المعلمين في مناطق مختلفة من البلاد دفع بعضهم إلى ترك المهنة أو البحث عن مصادر دخل إضافية، بالتزامن مع عوامل أخرى، من بينها تجميد التوظيف الحكومي ونقص الكوادر التعليمية.
«وظيفة صباحية.. وعمل آخر بعد انتهاء الدوام»
بالنسبة إلى بعض المعلمين، لم يعد العمل الإضافي وسيلة لتحسين مستوى الدخل فحسب، بل أصبح جزءاً من استراتيجية يومية لتغطية الاحتياجات الأساسية للأسرة.
وقد يبدأ يوم المعلم في الفصل الدراسي، ثم يستمر بعد انتهاء الدوام في عمل آخر، سواء في نشاط تجاري أو مهني أو أي مصدر دخل إضافي يمكنه من تعويض جانب من الفجوة بين الراتب وتكاليف الحياة.
لكن لهذه المعادلة ثمناً آخر لا يظهر في كشوف الرواتب.
فكل ساعة إضافية يقضيها المعلم في البحث عن الدخل هي ساعة تُقتطع من الراحة، ومن الوقت المخصص للأسرة، ومن التحضير للدروس والتطوير المهني، بينما تتطلب مهنة التعليم تركيزاً ذهنياً واستقراراً نفسياً واستعداداً يومياً مستمراً.
وقد وثقت تقارير صادرة عن الأمم المتحدة واليونيسف خلال سنوات الأزمة اليمنية حالات لمعلّمين اضطروا إلى البحث عن أعمال أخرى نتيجة انقطاع أو عدم انتظام الرواتب.
وفي أحد أحدث التقييمات الأممية الواسعة المنشورة حول الاحتياجات الإنسانية في اليمن، استُخدمت بيانات عام 2024 لتقدير عدد المعلمين الذين لا يحصلون على رواتب أو حوافز بنحو 193,668 معلماً، بما يعادل قرابة 65% من إجمالي المعلمين.
غير أن هذه النسبة تعكس الوضع على مستوى اليمن، ولا تعني بالضرورة أن الظروف ذاتها أو النسبة نفسها تنطبق على محافظة حضرموت.
«المتعاقدون.. الحلقة الأكثر عرضة للاضطراب»
وإذا كان الموظف الرسمي يواجه تحديات تتصل بضعف القوة الشرائية للراتب، فإن وضع المعلم المتعاقد قد يكون أكثر هشاشة، لارتباط استقراره الوظيفي بمصادر التمويل والبرامج التي تغطي مستحقاته.
ففي أغسطس/آب 2026، شهدت مدينة سيئون نقاشات تربوية تناولت أوضاع المعلمين المتعاقدين عبر صندوق دعم التعليم، إلى جانب احتياجات المدارس ونقص الكوادر في بعض التخصصات.
ولا تتوقف قضية المتعاقدين عند حدود المستحقات المالية، بل ترتبط بصورة مباشرة باستقرار المدرسة نفسها.
فالمعلم الذي لا يمتلك مستوى الاستقرار الوظيفي ذاته الذي يتمتع به الموظف الرسمي يظل أكثر تأثراً بتقلبات التمويل وتأخر المستحقات أو توقفها، وهو ما قد يدفعه إلى الانتقال إلى عمل آخر إذا وجد فرصة توفر له دخلاً أكثر استقراراً.
وعندما تخسر المدرسة معلماً مؤهلاً، فإن المشكلة لا تنتهي عند خلو وظيفة واحدة، بل يمكن أن تنتقل آثارها إلى بقية المعلمين والطلاب، من خلال زيادة نصاب الحصص أو دمج الفصول أو اتساع الفجوة في بعض التخصصات.
«عندما تنتقل أزمة المعلم إلى داخل الفصل»
الضائقة الاقتصادية التي يعيشها المعلم ليست شأناً شخصياً منفصلاً عن جودة التعليم.
فاستمرار نقص الكوادر أو اضطراب المستحقات المالية يمكن أن يؤدي إلى زيادة الضغط على المعلمين الموجودين، وارتفاع أعداد الطلاب داخل بعض الفصول، وتراجع قدرة المدرسة على توفير بيئة تعليمية مستقرة.
وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن ظروف عمل المعلمين في اليمن، إلى جانب نقص الكوادر والمواد التعليمية وتدهور البنية الأساسية وازدحام الفصول، أسهمت في إضعاف جودة التعليم ودفع بعض العاملين إلى مغادرة المهنة.
وفي فبراير/شباط 2026، أشارت بيانات منشورة لليونيسف إلى أن نحو 3.2 ملايين طفل في اليمن خارج المدرسة، ضمن أزمة تعليمية تتداخل فيها عوامل اقتصادية وإنسانية متعددة، من بينها عدم انتظام رواتب المعلمين وتدهور مرافق التعليم.
ولا يعني ذلك أن أزمة رواتب المعلمين هي السبب الوحيد لمشكلة التسرب أو الخروج من التعليم، لكنها تمثل أحد العناصر المؤثرة في قدرة المنظومة التعليمية على الاحتفاظ بالكوادر وتقديم خدمة مستقرة للطلاب.
«حضرموت.. إجراءات للتخفيف وضغط لا يزال قائماً»
على المستوى المحلي، سعت السلطات في حضرموت خلال الفترة الأخيرة إلى التعامل مع جزء من هذه الضغوط من خلال إجراءات متصلة بالرواتب والبدلات ودعم العاملين في التعليم.
وفي أغسطس/آب 2026، أكد محافظ حضرموت سالم أحمد الخنبشي دعم السلطة المحلية للمعلمين والتربويين، وأعلن قرب صرف بدل غلاء معيشة بنسبة 20% لموظفي الدولة، بمن فيهم المعلمون من الموظفين والمتعاقدين، بحسب ما أوردته وكالة الأنباء اليمنية «سبأ».
ويمثل أي تحسن في الدخل خطوة مهمة بالنسبة إلى العاملين في التعليم، خصوصاً في ظل الظروف الاقتصادية الحالية، إلا أن الأثر الحقيقي لأي زيادة يبقى مرتبطاً بمعدل ارتفاع الأسعار والقيمة الشرائية للعملة.
فالزيادة الاسمية في الراتب لا تعني بالضرورة تحسناً مماثلاً في مستوى المعيشة إذا كانت أسعار الغذاء والنقل والخدمات والسكن ترتفع بوتيرة أكبر.
وهنا تنتقل القضية من سؤال: كم زاد دخل المعلم؟ إلى سؤال أكثر أهمية: ماذا أصبح يستطيع شراءه بهذا الدخل؟
«لماذا لا تكفي زيادة الراتب وحدها؟»
تحسين الأجور يمثل أحد أهم مفاتيح معالجة المشكلة، لكنه لا يستطيع وحده توفير استقرار دائم للمعلم ما لم يكن جزءاً من سياسة أوسع تتعامل مع مختلف جوانب القطاع.
فالاستقرار المعيشي للعاملين في التعليم يرتبط بانتظام صرف المستحقات، وتحسين الأجور بما يتناسب مع تكاليف الحياة، ومعالجة أوضاع المتعاقدين، واستكمال الكادر في التخصصات التي تعاني نقصاً، وتوفير بيئة تعليمية مناسبة داخل المدارس.
كما أن حماية القوة الشرائية للراتب تتطلب التعامل مع الظروف الاقتصادية المحيطة به، وفي مقدمتها التضخم وتقلب أسعار العملة وارتفاع تكاليف النقل والطاقة والخدمات.
وعلى مستوى التخطيط، تبدو الحاجة قائمة للانتقال من المعالجات المؤقتة إلى نموذج تمويل أكثر استدامة للتعليم، بحيث لا يظل استقرار المعلمين مرتبطاً بمنح أو حوافز أو تدخلات قصيرة الأجل.
«حضرموت الغنية بالموارد.. أين موقع التعليم؟»
وتعيد قضية المعلمين طرح سؤال يتكرر في ملفات الخدمات العامة بحضرموت: كيف تنعكس موارد المحافظة على حياة السكان وجودة الخدمات الأساسية؟
فوجود النفط والموانئ والمنافذ والثروة السمكية والنشاط التجاري لا يعني بالضرورة أن عائدات هذه الموارد تتحول بصورة مباشرة إلى رواتب أعلى للعاملين في التعليم.
لكن القيمة الحقيقية للموارد تظهر عندما تتحول إلى قاعدة لاقتصاد محلي قادر على تمويل الخدمات العامة وخلق فرص العمل والاستثمار في رأس المال البشري.
ومن هذا المنظور، لا يصبح الإنفاق على المعلم مجرد بند في الموازنة، بل استثماراً في مستقبل المحافظة.
فالمعلم لا يقدم خدمة آنية فقط؛ بل يشارك بصورة مباشرة في إعداد الأجيال التي ستدير المؤسسات والاقتصاد والخدمات في السنوات المقبلة.
ولهذا فإن السؤال عن حصة التعليم من التنمية لا يقل أهمية عن السؤال عن الطرق والمشاريع والمنشآت والبنية التحتية.
«أزمة رواتب أم أزمة نموذج تعليمي؟»
وراء الضغوط المعيشية اليومية، تبرز إشكالية أعمق تتعلق بطريقة تمويل وإدارة التعليم في اليمن.
فبعد أكثر من عقد من الحرب والأزمة الاقتصادية والانقسام الإداري والمالي، أصبح القطاع التعليمي يعتمد بدرجات متفاوتة على الدعم الخارجي والمساعدات، في الوقت الذي تراجعت فيه قدرة المالية العامة على ضمان مستوى مستقر من الإنفاق على التعليم.
كما ساهم اختلاف أوضاع الرواتب والحوافز بين مناطق البلاد، وتذبذب صرفها في بعض الفترات، في تعميق التفاوت وعدم الاستقرار داخل القطاع.
وفي هذه البيئة المعقدة يجد المعلم نفسه مطالباً بالحفاظ على انتظام العملية التعليمية، بينما يواجه في الوقت ذاته تداعيات اقتصاد متراجع وعملة مضطربة وموارد عامة محدودة واحتياجات أسرية تتزايد باستمرار.
ولهذا قد لا تكون القضية مجرد أزمة راتب، وإنما جزءاً من أزمة أوسع في نموذج تمويل التعليم وحماية كوادره واستدامته.
«المعلم بين مسؤولية الفصل ومسؤولية الأسرة»
في نهاية المطاف، لا يمكن النظر إلى المعلم باعتباره رقماً في كشف الرواتب أو وظيفة ضمن الجهاز الإداري.
خلف كل راتب أسرة تعتمد عليه، وخلف كل حصة دراسية معلم مطالب بأن يدخل فصله قادراً على التركيز والتخطيط والتفاعل مع طلابه، بصرف النظر عن الضغوط التي تنتظره بعد انتهاء الدوام.
ولهذا فإن استقرار المعلم ليس قضية رفاه وظيفي، بل أحد شروط استقرار المدرسة نفسها.
فكلما شعر المعلم بالأمان المعيشي والوظيفي، ازدادت قدرة المؤسسة التعليمية على الاحتفاظ بكوادرها وتحسين أدائها. وكلما اتسعت الفجوة بين الراتب وتكاليف الحياة، ازدادت احتمالات البحث عن بدائل دخل، أو تراجع الاستقرار الوظيفي، أو خسارة القطاع بعض كوادره.
وإذا كانت حضرموت تتطلع إلى تحويل مواردها إلى تنمية مستدامة، فإن تقييم نجاح هذه التنمية لا ينبغي أن يقتصر على عدد المدارس التي تُبنى أو المشاريع التي تُفتتح، بل يجب أن يشمل أيضاً أوضاع الإنسان الذي يدير تلك المؤسسات ويمنحها معناها.
فالمدرسة الحديثة لا تكفي وحدها إذا كان المعلم الذي يقف داخلها عاجزاً عن تأمين متطلبات حياته الأساسية.
ويبقى السؤال الذي يتقدم على غيره مع بداية كل عام دراسي:
إلى أي مدى يمكن الحفاظ على استقرار التعليم في حضرموت ما لم يتحول الاستقرار المعيشي والوظيفي للمعلم إلى أولوية دائمة، لا إلى استجابة مؤقتة لأزمة متكررة؟

