بعد أيام من الارتباك الذي أحدثته التطورات العسكرية المتسارعة في الساحل الغربي وسقوط مدينة المخا بيد جماعة الحوثي، بدأت ملامح مرحلة مختلفة تتشكل داخل المعسكر الحكومي اليمني، عنوانها الأبرز: إعادة تنظيم القوة، توحيد القيادة الميدانية، حشد الموارد، وتوسيع دائرة المواجهة بعيداً عن حصرها في جبهة الساحل.
وبينما مثلت خسارة المخا صدمة عسكرية وسياسية بالنظر إلى موقع المدينة القريب من باب المندب وما تمثله من ثقل استراتيجي، فإن سلسلة التحركات التي أعقبتها تشير إلى أن الحكومة الشرعية والقوات المسلحة اليمنية والجيش الوطني تحاول الانتقال سريعاً من مرحلة احتواء آثار الخسارة إلى مرحلة استعادة المبادرة، وهو التعبير الذي أصبح حاضراً بوضوح في الخطاب الرسمي خلال الأيام الأخيرة.
وتحدثت تقارير ميدانية عن سيطرة الحوثيين على المخا، بينما اختارت المؤسسات الرسمية توصيف ما حدث في أجزاء من الساحل الغربي باعتباره «إعادة تموضع» للقوات وتقدماً ميدانياً عارضاً لا يمكن أن يتحول إلى واقع سياسي أو جغرافي دائم، وفي اجتماع مجلس الدفاع الوطني في 10 سبتمبر، أكدت القيادة اليمنية اتخاذ إجراءات لاستعادة المبادرة في عدد من الجبهات، مشددة على أن المواجهة لن تبقى محصورة في منطقة واحدة.
من صدمة الساحل إلى إعادة ترتيب الميدان"
تكشف قراءة متتابعة للأحداث أن ما يجري لم يعد مجرد تحركات منفصلة تفرضها الضرورات الدفاعية، بل بدأ يأخذ شكل عملية أوسع لإعادة تنظيم الجبهة المناهضة للحوثيين.
ففي الخامس من سبتمبر أعلنت ألوية العمالقة مشاركتها إلى جانب قوات درع الوطن والمقاومة الوطنية في هجوم معاكس بالساحل الغربي، تمكنت خلاله القوات، بحسب بياناتها، من استعادة مواقع ودفع الحوثيين إلى التراجع في أجزاء من مسرح العمليات، وقبل ذلك كانت تعزيزات من العمالقة ودرع الوطن قد وصلت إلى جبهتي تعز والساحل الغربي.
وفي السابع من سبتمبر تحركت جبهة أخرى بعيداً عن الساحل، بإعلان ألوية العمالقة تنفيذ عملية عسكرية في محافظة البيضاء والسيطرة على مواقع متقدمة، كما تحدثت وكالة «سبأ» الحكومية عن تقدم للقوات في مناطق من البيضاء والجوف، وهو ما منح المواجهة بعداً متعدد الجبهات بدلاً من تركيز الثقل العسكري كله على محور واحد.
هذه التحركات لا تعني أن ميزان الحرب قد انقلب بالفعل، لكنها تكشف عن محاولة واضحة لمنع الحوثيين من استثمار مكاسب الساحل في فرض إيقاع المعركة على بقية الجبهات.
توحيد غرف العمليات.. معالجة أحد أخطر مواطن الضعف"
أحد أهم التطورات التي أعقبت صدمة المخا جاء من منطقة رأس العارة، حيث أفادت تقارير محلية، في 12 سبتمبر، بأن اجتماعاً لقيادات من ألوية العمالقة وقوات درع الوطن انتهى إلى تفاهمات لإنشاء غرفة عمليات مشتركة وتوحيد إدارة العمليات الميدانية.
ولا يزال هذا التطور مستنداً إلى مصادر وتقارير محلية ولم يصدر بشأن جميع تفاصيله بيان عسكري مركزي مفصل، لكنه، إذا ترسخ ميدانياً، يحمل دلالة تتجاوز الجانب التنظيمي؛ إذ إن تعدد التشكيلات ومراكز القرار ظل واحداً من أبرز التحديات أمام القوات المسلحة اليمنية المناهضة للحوثيين طوال سنوات الحرب.
ولهذا فإن القيمة الحقيقية لأي غرفة عمليات موحدة لن تكون في اسمها، بل في قدرتها على إنتاج قيادة ميدانية منضبطة، وتبادل المعلومات، ومنع الأوامر المتعارضة، وتنسيق الإسناد بين القوات المختلفة.
وهنا تحديداً يمكن فهم أحد دروس المخا: التفوق العددي أو امتلاك تشكيلات قوية لا يكفي إذا بقيت القيادة والسيطرة والاتصالات والإسناد تعمل بصورة مجزأة.
النفير العام.. انتقال التعبئة من المؤسسة إلى المجتمع"
المؤشر الثالث جاء مساء أمس السبت 12 سبتمبر مع إعلان المجلس الأعلى للمقاومة الشعبية حالة النفير العام والتعبئة الشاملة في المحافظات والمديريات الخاضعة للحكومة، ودعوته إلى التجنيد الطوعي والالتحاق بمعسكرات المقاومة لإسناد القوات المسلحة واستعادة المناطق التي سيطر عليها الحوثيون.
وتحمل الخطوة دلالة سياسية وعسكرية؛ فهي تعني محاولة توسيع قاعدة المواجهة من القوات النظامية والتشكيلات المسلحة إلى حاضنة اجتماعية وقبلية وشعبية أكبر، خصوصاً في تعز والمناطق القريبة من خطوط القتال.
لكن نجاح التعبئة سيبقى مرتبطاً بقدرة الدولة على وضعها ضمن إطار مؤسسي منضبط؛ لأن تحويل الحماس الشعبي إلى قوة عسكرية فعالة يحتاج إلى تنظيم وتدريب وقيادة وتمويل وإمداد، وليس إلى زيادة عدد المقاتلين فحسب.
وبذلك يمكن النظر إلى النفير العام باعتباره رافعة محتملة للجبهة العسكرية وليس بديلاً عن الجيش أو القيادة الموحدة.
الحكومة تدخل على خط المعركة"
بعد التحركات العسكرية والشعبية، جاء المكون الرابع على مستوى الحكومة.
ففي اجتماع مجلس الوزراء المنعقد في عدن أمس السبت 12 سبتمبر برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، استمع المجلس إلى تقرير وزير الدفاع بشأن أوضاع الجبهات، ومستوى الجاهزية والاحتياجات العملياتية للقوات، وأكد ضرورة رفع الإسناد الحكومي للقوات المسلحة والأمن والتشكيلات العسكرية وتعزيز قدرتها على مواجهة التصعيد واستعادة المبادرة.
كما تعهدت الحكومة بتنفيذ الالتزامات المترتبة عليها وفق مخرجات مجلس الدفاع الوطني وتوفير أوجه الدعم اللازمة للمقاتلين في الجبهات.
وتكتسب هذه النقطة أهميتها من أن المعارك الطويلة لا تحسم بالقوة البشرية وحدها، بل بالقدرة على تحويل موارد الدولة إلى إمداد عسكري ولوجستي وتمويل مستمر، مع الحفاظ في الوقت نفسه على الخدمات والاقتصاد والجبهة الداخلية.
وقال الزنداني إن التطورات الميدانية الصعبة لا ينبغي تفسيرها باعتبارها نهاية للمواجهة، وإن المعيار هو قدرة الدولة على إعادة تنظيم جهودها وحشد مواردها واستعادة زمام المبادرة.
مجلس الدفاع الوطني.. تغير في اللغة السياسية"
قبل الاجتماع الحكومي بيومين كان مجلس الدفاع الوطني قد وضع سقفاً سياسياً أعلى للمرحلة الجديدة.
فالمجلس، الذي انعقد في 10 سبتمبر برئاسة رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، ناقش جبهات تعز ومأرب والجوف والبيضاء والضالع، وأكد أن ما جرى في الساحل لا يغير هدف الدولة المعلن باستعادة مؤسساتها وسيادتها.
واللافت في البيان الرسمي تأكيده أن عملية الردع «لن تكون محصورة بجبهة أو منطقة بعينها»، وأن القوات ستتعامل مع مصادر التهديد في مختلف مسارح العمليات وفق التقديرات العسكرية.
وقبل ذلك بيوم، كان العليمي قد قال إن الحوثيين «اختاروا الحرب وعليهم تحمل نتائجها»، منتقداً التهدئة التي تسمح بإعادة التسليح والاستعداد لجولات جديدة من القتال.
هذه اللغة تختلف نسبياً عن خطاب إدارة التهدئة الذي سيطر على جانب مهم من السنوات السابقة؛ فهي تربط مجدداً الهدف العسكري بهدف سياسي أوسع يتمثل في استعادة مؤسسات الدولة.
القوة الجوية.. متغير جديد في ميزان المواجهة"
إلى جانب إعادة تنظيم القوات البرية برز متغير عسكري مهم خلال التصعيد الحالي، وهو الاستخدام المتزايد للطيران والطائرات المسيّرة من جانب القوات الحكومية.
فخلال الأسابيع الأخيرة كشفت القوات الحكومية بصورة غير مسبوقة عن استخدام قدرات جوية ومسيرات هجومية لضرب تجمعات وتعزيزات حوثية في أكثر من جبهة، وبعد السيطرة الحوثية على المخا، أعلنت القوات الجوية بدء استهداف مواقع وتجمعات وآليات للجماعة داخل المدينة ومحيطها، فيما أطلق الجيش على المنطقة المستهدفة تسمية «صندوق القتل».
ويضيف هذا التحول بعداً مهماً للمعركة؛ إذ يمنح القوات الحكومية قدرة أكبر على ضرب التحركات والإمدادات بعيداً عن خطوط الاشتباك المباشر، ويخفف نسبياً من الاعتماد الكامل على التقدم البري.
لكن القوة الجوية وحدها لا تستعيد الأرض؛ فهي تصبح أكثر تأثيراً حين تتكامل مع قوات برية منظمة واستخبارات ميدانية وقيادة وسيطرة موحدة.
ماذا تعني كل هذه التحركات؟؟
عند وضع التطورات الأخيرة في تسلسل واحد تظهر صورة أكثر وضوحاً:
تعزيزات عسكرية إلى الجبهات → هجمات معاكسة في الساحل → فتح جبهات ضغط في البيضاء والجوف → اجتماع لمجلس الدفاع الوطني → ضربات جوية في المخا → توحيد محتمل لغرفة عمليات العمالقة ودرع الوطن → إعلان النفير العام للمقاومة → اجتماع حكومي لرفع الإسناد والجاهزية.
هذه السلسلة تسمح بالقول إن المعسكر الحكومي انتقل، على الأقل على مستوى النية والتنظيم والتحضير، من مرحلة امتصاص الضربة إلى مرحلة تجميع القوة.
غير أن الانتقال من «التجميع» إلى «التحرير» يحتاج إلى اختبار ميداني حقيقي.
فالمرحلة المقبلة ستكشف ما إذا كانت هذه الإجراءات ستتحول إلى منظومة عسكرية واحدة قادرة على فتح ضغط متزامن على عدة محاور، أم أنها ستبقى تحركات منفصلة فرضتها صدمة الساحل.
الحوثيون أمام خطر اتساع الجبهات"
استراتيجياً، الخطر الأكبر على الحوثيين لا يتمثل في هجوم واحد على الساحل بقدر ما يتمثل في إجبارهم على توزيع قواتهم وقدراتهم بين عدة مسارح في وقت واحد.
فالمعارك الحالية تمتد أو تتفاعل بدرجات متفاوتة مع تعز والساحل الغربي والبيضاء والجوف ومأرب ولحج، فيما أكد مجلس الدفاع الوطني أن الجهود الرامية إلى استعادة المبادرة تشمل عدداً من هذه المحاور.
وإذا استطاعت القوات الحكومية المحافظة على الضغط المتزامن، فإن الحوثيين سيواجهون معادلة مختلفة عن معارك الجبهة الواحدة: الحاجة إلى حماية مناطق السيطرة، وخطوط الإمداد، والجبهات الداخلية، في الوقت الذي يتعرض فيه تحركهم لضربات جوية ومسيرات.
لكن الجماعة تمتلك بدورها خبرة طويلة في القتال، وشبكات تعبئة واسعة، وترسانة من الصواريخ والطائرات المسيّرة، وقدرة على التحرك بين جبهات جبلية معقدة؛ ولذلك فإن الحديث عن انهيار سريع سيكون سابقاً لأوانه.
التحدي الأكبر: تحويل التشكيلات إلى جيش معركة واحدة"
رغم أهمية كل المؤشرات السابقة، فإن مفتاح التحول الحقيقي يبقى سياسياً وعسكرياً في آن واحد: وحدة القرار.
فالقوات المناهضة للحوثيين تضم الجيش الوطني، وألوية العمالقة، ودرع الوطن، والمقاومة الوطنية، وتشكيلات أخرى تختلف في مرجعياتها وتاريخها وانتشارها، وقد أظهرت المعارك الأخيرة مستوى متزايداً من التنسيق بينها، لكن تحويل ذلك إلى قيادة عملياتية مستقرة سيكون العامل الأكثر حسماً في المرحلة المقبلة.
وفي حال تحقق ذلك، فإن خسارة المخا قد تتحول من ضربة تكشف نقاط الضعف إلى لحظة تدفع نحو معالجة واحدة من أكبر مشكلات السنوات الماضية: خوض الحرب بتشكيلات متعددة من دون مركز قيادة ميداني متكامل.
ومن خلال المؤشرات المتاحة حتى اليوم تشير إلى أن مرحلة الصدمة التي أعقبت خسارة المخا بدأت فعلاً تتراجع، وأن مرحلة إعادة تنظيم القوة واستعادة المبادرة بدأت بالتشكل.
لكن الأدق عسكرياً عدم وصفها حتى الآن بأنها «معركة التحرير الشامل»، بل باعتبارها مرحلة ما قبل الهجوم المعاكس الواسع: إعادة بناء خطوط الدفاع، إعادة توزيع القوات، توحيد غرف العمليات، توسيع التعبئة، رفع الدعم الحكومي، وتشغيل أدوات القوة الجوية بصورة أكبر.
أما الانتقال إلى مرحلة تحرير واسعة فسيعتمد على ثلاثة اختبارات رئيسية: قدرة القيادة السياسية على الحفاظ على وحدة القرار، قدرة التشكيلات العسكرية على العمل تحت خطة عمليات واحدة، وقدرة الحكومة وحلفائها على توفير إسناد مستدام لمعركة طويلة.
وإذا نجحت هذه العناصر في الالتقاء، فقد تكون التطورات الحالية بداية تحول أكبر في الحرب، لأن المعركة حينها لن تدور فقط حول استعادة المخا، بل حول محاولة نقل الحوثيين من وضع المهاجم الذي يختار مكان المواجهة وتوقيتها إلى وضع المدافع الذي يضطر إلى توزيع قواته على جبهات متعددة.
ومن هنا تبدو الأيام التي أعقبت المخا مهمة ليس لأنها قدمت حتى الآن نصراً حاسماً، بل لأنها أظهرت للمرة الأولى منذ فترة سلسلة مترابطة من القرارات والتحركات: قيادة سياسية ترفع سقف المواجهة، مجلس دفاع يتحدث عن استعادة المبادرة، حكومة تعيد ترتيب مواردها للجبهات، تشكيلات عسكرية تتجه نحو تنسيق أوسع، مقاومة شعبية تعلن التعبئة، وقوة جوية تدخل بصورة متزايدة في المعركة.
الخلاصة: لم تبدأ معركة الحسم بمعناها العسكري الكامل بعد، لكن عناصرها الأولية يجري تجميعها. وإذا تحولت هذه التعبئة من رد فعل على خسارة المخا إلى استراتيجية موحدة ومستدامة، فقد يكون الساحل الغربي قد مثّل نقطة التحول التي أعادت ترتيب المعركة اليمنية بأكملها.هذا التقرير صيغ بطريقة تصلح للنشر في موقع إخباري وتحافظ على الفارق بين المعلومة المؤكدة والتقدير التحليلي.

