تقرير خاص: الغلاء وتراجع القدرة الشرائية.. كيف يعيش المواطن الحضرمي؟

مع كل ارتفاع جديد في أسعار السلع والخدمات، تتقلص المسافة بين دخل المواطن الحضرمي واحتياجاته الأساسية، فالراتب الذي كان يوفر في السابق جزءاً مقبولاً من متطلبات الأسرة، لم يعد اليوم قادراً على مجاراة تكاليف الغذاء والطاقة والنقل والعلاج والتعليم.

وفي محافظة تمتلك موارد اقتصادية مهمة من النفط والموانئ والمنافذ والثروة السمكية والزراعية، تبدو المفارقة أكثر وضوحًا؛ فوجود الموارد لا يعني بالضرورة تحسن مستوى معيشة المواطن، ما لم تتحول تلك الموارد إلى خدمات مستقرة، وفرص عمل، ودخل قادر على مواكبة كلفة الحياة.

فالمواطن لا يقيس ثروة محافظته بحجم الموارد الموجودة في باطن الأرض أو البحر، وإنما بما يستطيع أن يشتريه براتبه، وبمستوى الخدمة التي يحصل عليها، وبقدرته على تأمين احتياجات أسرته دون أن يعيش طوال الشهر في دائرة العجز.

راتب 80 ألف ريال.. ماذا يستطيع أن يشتري؟

تظهر أزمة القدرة الشرائية بصورة أكثر وضوحًا عند مقارنة دخل الموظف بأسعار السلع الأساسية في السوق.

فبحسب تقديرات متداولة لأسعار بضائع متوسطة الجودة، يبلغ سعر الكيس الأرز نحو 65 ألف ريال يمني، والدقيق نحو 35 ألف ريال، وزيت الطبخ 20 لتر نحو 52 ألف ريال، والسكر نحو 27 ألف ريال، وتحتاج البقوليات شهرياً قرابة 13 ألف ريال.

في المقابل، لا يتجاوز راتب شريحة من المواطنين في حضرموت ذوي الدخل المتوسط نحو 80 ألف ريال شهرياً.

وتكشف هذه المقارنة أن سعر الأرز وحده يعادل أكثر من 81% من الراتب الشهري، فيما يعادل زيت الطبخ نحو 65% منه، ويقترب سعر الدقيق من 44%، بينما يمثل السكر قرابة 34% من قيمة الراتب.

أما شراء الأرز والدقيق والزيت والسكر والبقوليات مجتمعة، فتصل تكلفته إلى نحو 192 ألف ريال يمني، أي ما يعادل 240% من راتب شهري مقداره 80 ألف ريال.

وبمعنى أكثر مباشرة، يحتاج الموظف إلى ما يقارب راتبين ونصف فقط لتغطية هذه المجموعة المحدودة من المواد الغذائية، قبل احتساب الخضروات والفواكه والدجاج، وقبل دفع نفقات الكهرباء والمياه والنقل والعلاج والتعليم والسكن.

وتبلغ أسعار بعض الخضروات في المتوسط نحو 5 آلاف ريال للكيلو، فيما تصل أسعار الفواكه إلى قرابة 7 آلاف ريال للكيلو، ويبلغ سعر الدجاجة الواحدة نحو 5 آلاف ريال.

أما الاحتياجات الأسرية الأخرى، من ملابس ومنظفات واتصالات ومستلزمات منزلية ونفقات جانبية، فقد تصل إلى نحو 40 ألف ريال شهرياً، أي ما يعادل نصف راتب الموظف تقريبا.

وتوضح هذه الأرقام أن المشكلة لم تعد مرتبطة بسعر سلعة بعينها، بل أصبحت أزمة في العلاقة بين مستوى الدخل وتكلفة الحد الأدنى من الحياة اليومية.

الراتب الذي يفقد قيمته..

لا يحتاج المواطن في حضرموت إلى متابعة التقارير الاقتصادية ليشعر بتراجع قدرته الشرائية؛ فالمقياس الأبسط هو ما كان يستطيع شراءه براتبه قبل سنوات، وما يستطيع الحصول عليه اليوم.

المشكلة هنا لا تتعلق بانخفاض الراتب رقمياً فقط، وإنما بما يسمى اقتصادياً الأجر الحقيقي؛ أي كمية السلع والخدمات التي يستطيع الراتب شراءها.

قد يبقى راتب الموظف كما هو لسنوات، لكن إذا ارتفعت الأسعار وتكاليف الخدمات بصورة أسرع، فإن القيمة الحقيقية لذلك الراتب تتراجع.

وهنا تنشأ الفجوة التي يشعر بها المواطن يومياً الراتب موجود، لكن ما يشتريه يتناقص.

#الغذاء أولًا.. وما تبقى يؤجَّل!!!

عندما لا تستطيع الأسرة زيادة دخلها بالسرعة التي ترتفع بها الأسعار، تبدأ بإعادة ترتيب أولويات الإنفاق.

يذهب الجزء الأكبر من الدخل إلى الغذاء، ثم السكن والكهرباء والمياه والنقل والعلاج، بينما تتراجع تدريجيًا مساحة الإنفاق على التعليم غير الأساسي، والملابس، والترفيه، وتحسين السكن، والادخار.

وهنا تتحول أزمة الأسعار من قضية اقتصادية إلى أزمة اجتماعية.

فالأسرة التي تنفق معظم دخلها على الضروريات لا تستطيع بناء مدخرات للطوارئ، وقد تصبح أي حالة مرضية مفاجئة، أو عطل في السيارة، أو التزام دراسي، عبئًا مالي يفوق قدرتها.

ومع استمرار الضغوط، تصبح الأسرة أكثر اعتمادًا على الاستدانة أو المساعدات أو التحويلات من الأقارب.

#الكهرباء.. فاتورة لا تنتهي عند العداد..

لا يقتصر أثر الأزمة المعيشية في حضرموت على أسعار المواد الغذائية.

فالكهرباء تمثل واحدة من أكثر القضايا تأثيراً في ميزانية الأسرة والمنشأة التجارية على حد سواء.

وحين تتراجع ساعات الخدمة، تضطر بعض الأسر إلى اللجوء إلى بدائل إضافية للطاقة، فيما تتحمل المتاجر والورش والمطاعم والمنشآت التجارية تكاليف تشغيل مرتفعة للحفاظ على أعمالها.

وهذه التكاليف لا تبقى محصورة داخل المنشأة؛ إذ تنتقل في جزء منها إلى أسعار السلع والخدمات التي يدفعها المستهلك.

وبذلك تصبح الكهرباء جزءاً من تكلفة التبريد والمياه والاتصالات وحفظ الأغذية وتشغيل الأنشطة التجارية، أي أنها تتحول إلى فاتورة داخل معظم الفواتير الأخرى.

#المواطن بين سعر السوق وسعر العملة.

من العوامل الأساسية التي تؤثر في القدرة الشرائية تقلب سعر صرف العملة وارتفاع تكاليف الاستيراد والنقل.

فاليمن يعتمد بدرجة كبيرة على السلع المستوردة، وبالتالي فإن أي تراجع في قيمة الريال ينعكس سريعاً على أسعار المواد الغذائية والدوائية والاستهلاكية.

ولا تصل السلعة إلى المستهلك بالسعر الذي خرجت به من بلد المنشأ؛ إذ تمر بسلسلة طويلة من النفقات تشمل الشحن والتأمين والنقل والتخزين والرسوم والتمويل وهوامش التداول التجاري.

ولهذا قد ترتفع الأسعار حتى في حال عدم وجود نقص فعلي في السلعة نفسها.

مجرد تسائل : لماذا لا تنخفض الأسعار سريعاً؟

سؤال يتكرر بين المواطنين كلما تحسن سعر صرف العملة، لماذا لا تنخفض أسعار السلع بالنسبة نفسها؟

الجواب الاقتصادي أن الأسعار لا تتحرك دائماً بالسرعة ذاتها التي يتحرك بها سعر الصرف.

فالتاجر قد يكون اشترى بضاعته في وقت كان فيه سعر الصرف أعلى، كما أن تكاليف النقل والتخزين والكهرباء والتمويل قد لا تكون قد انخفضت، فضلاً عن وجود توقعات مستمرة بشأن احتمالات تغير سعر العملة مرة أخرى.

ولهذا، فإن تحسن سعر الصرف لفترة محدودة لا يعني بالضرورة عودة الأسعار سريعًا إلى مستوياتها السابقة.

وبالنسبة للمواطن، تصبح النتيجة واضحة، العملة قد تتحسن، لكن قدرته الشرائية لا تتحسن بالوتيرة نفسها.

سلسلة التكاليف.. والمستهلك في نهايتها.

قبل أن تصل السلعة إلى المستهلك، تمر بعدة حلقات من التكلفة.

فالمستورد يتحمل سعر الشراء والشحن والنقل والرسوم، والتاجر يتحمل التخزين والكهرباء والإيجار، والمزارع يواجه ارتفاع أسعار البذور والأسمدة والوقود، والصياد يتحمل تكلفة الوقود والمعدات، فيما يواجه صاحب المطعم أو الورشة تكاليف التشغيل والطاقة والمواد الخام.

وكل طرف يحاول تمرير جزء من هذه التكاليف إلى الطرف التالي.

وفي نهاية السلسلة يقف المواطن الذي لا يستطيع راتبه دائماً مواكبة هذه الزيادات.

وهنا تكمن واحدة من أهم معضلات الأزمة، الأسعار قادرة على الحركة صعوداً، بينما الدخل أكثر بطئًا وثباتاً.

الطبقة الوسطى تحت الضغط.

أثر الغلاء لا يقتصر على الفئات الأشد فقراً، فالطبقة الوسطى التي كانت قادرة في السابق على تغطية احتياجاتها الأساسية مع هامش بسيط للادخار أو تحسين مستوى المعيشة، أصبحت هي الأخرى تحت ضغط متزايد.

وقد تلجأ بعض الأسر إلى البحث عن مصدر دخل إضافي، أو ممارسة عمل ثانٍ، أو الاعتماد على تحويلات أقارب يعملون خارج البلاد.

وتؤدي التحويلات دوراً مهماً في مساعدة كثير من الأسر على الصمود، لكنها تكشف في الوقت ذاته عن محدودية قدرة النشاط الاقتصادي المحلي على توفير دخل كافٍ ومستقر.

#الوظيفة وحدها لم تعد كافية

في الظروف الاقتصادية المستقرة، يفترض أن يوفر العمل للموظف أو العامل دخلًا يسمح له بتأمين مستوى معيشة مقبول.

لكن حين ترتفع الأسعار أسرع من الرواتب، تتغير المعادلة.

فالراتب البالغ 80 ألف ريال قد يبدو رقماً ثابتاً على الورق، لكن قيمته الحقيقية تتحدد بما يستطيع صاحبه شراءه.

وحين تبلغ قيمة عدد محدود من المواد الغذائية الأساسية أكثر من ضعفي الراتب، تصبح الوظيفة وحدها عاجزة عن تغطية المتطلبات اليومية، ويبدأ الموظف بالبحث عن بدائل أخرى للدخل.

#حضرموت الغنية.. والمواطن يبحث عن أثر #الثروة.

هنا تبرز المفارقة الحضرمية بصورة أكثر حدة، فالمحافظة تمتلك النفط والموانئ والمنافذ والثروة السمكية والزراعية ومقومات اقتصادية كبيرة، لكن المواطن العادي لا يتلقى جزءاً مباشراً من هذه الموارد في راتبه الشهري.

ما يهمه في النهاية هو انعكاس هذه الثروة على الخدمات العامة وعلى تكلفة الحياة.

فإذا ساعدت موارد المحافظة على توفير كهرباء أكثر استقرار، ومياه أفضل، وطرق أقل كلفة للنقل، ومستشفيات أكثر قدرة، وتعليم أفضل، وفرص عمل أوسع، فإنها تكون قد تحولت فعلياً إلى تحسين في مستوى المعيشة.

أما إذا بقيت الموارد أرقاماً في الموازنات والتقارير، دون انعكاس واضح على حياة المواطنين، فإن الفجوة بين ثروة المكان ومستوى معيشة السكان ستظل قائمة.

هل المشكلة في الأسعار أم في الدخل؟

المشكلة في الاثنين معاً ، فارتفاع الأسعار يضغط على الأسرة من جهة، وضعف نمو الدخول يضغط عليها من جهة أخرى.

ولهذا فإن معالجة الغلاء لا يمكن أن تعتمد فقط على الحملات الرقابية أو معاقبة المتلاعبين بالأسعار، رغم أهمية ذلك.

فالحل الأوسع يحتاج إلى استقرار العملة، وتحسين الإنتاج المحلي، وخفض تكاليف الطاقة والنقل، وتسهيل التجارة، وتحسين بيئة الاستثمار، وخلق فرص عمل، وضمان انتظام الرواتب.

كما أن تخفيض تكلفة الخدمات العامة يعد في حد ذاته وسيلة لتحسين القدرة الشرائية؛ لأن الأسرة التي تحصل على كهرباء ومياه ونقل وخدمات صحية بكلفة أقل تحتفظ بجزء أكبر من دخلها للغذاء والتعليم والاحتياجات الأخرى.

#كيف يعيش المواطن #الحضرمي؟

ربما يمكن اختصار المشهد اليوم بعبارة واحدة: إدارة الضروريات.

تشتري الأسرة ما لا يمكن تأجيله، وتؤجل ما يمكن تأجيله، وتعيد ترتيب أولوياتها مع كل ارتفاع جديد في الأسعار.

وتنخفض مساحة الإنفاق على الكماليات، فيما تتحول أي نفقات طارئة إلى أزمة داخل ميزانية الأسرة.

ومن هنا، لا يقاس أثر الغلاء فقط بسعر كيس الأرز أو عبوة الزيت أو الدجاجة، وإنما بما يضطر المواطن إلى التخلي عنه حتى يستطيع شراءها.

فقد تكون الأسواق مليئة بالسلع، لكن الوفرة لا تعني أن المواطن قادر على الشراء.

وقد يبقى الراتب كما هو، لكنه يصبح أقل قدرة على تأمين الحياة.

وقد تمتلك المحافظة موارد كبيرة، لكن الثروة لا تصبح تنمية إلا عندما يشعر المواطن بأثرها في خدمته ودخله وفرصه.

لهذا فإن السؤال الحقيقي ليس فقط كم تبلغ أسعار السلع في حضرموت؟
بل:
كم يستطيع المواطن أن يشتري بدخله؟

وفي ظل راتب شهري لا يتجاوز لدى شريحة من الموظفين نحو 80 ألف ريال، وأسعار تتجاوز في بعض السلع الأساسية نصف هذا الراتب أو معظمه، تصبح أزمة القدرة الشرائية واحدة من أكثر القضايا التصاقاً بالحياة اليومية للمواطن الحضرمي.

ويبقى التحدي أمام السلطات المحلية والجهات الاقتصادية هو تحويل موارد المحافظة من أرقام وإيرادات إلى كهرباء مستقرة، وخدمات أفضل، وفرص عمل، ودخل أكثر قدرة على مواجهة الغلاء.

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص