شوية منطق ومناطقية.

ربما نحتاج في اليمن إلى شوية منطق وشوية مناطقية أيضاً؛ باعتبارها اعترافاً بواقع سياسي وجغرافي أعادت الحرب تشكيله، ولم يعد ممكناً القفز فوقه بالشعارات، ولا أقصد المناطقية ها بمعناها العصبي.

اليمن الذي دخل الحرب ليس هو اليمن الذي سيخرج منها. لذلك، تبدو العودة إلى الوحدة الاندماجية بصيغتها القديمة شبه مستحيلة، كما أن اختزال الحل في العودة إلى حدود «شمال وجنوب» لا يبدو واقعياً ؛ ببساطة لأن الشمال لم يعد كتلة واحدة، والجنوب كذلك.

في الشطر الشمالي ، أعادت الحرب إنتاج أسئلة «مطلع ومنزل»، والمركز والهامش، وحاكمية الهضبة، وعمّقت الفوارق السياسية والاجتماعية والمذهبية. ومن الصعب تصور قبول مأرب وتعز والحديدة والبيضاء وإب، بعد كل ما جرى، بالعودة إلى المعادلة السياسية ذاتها تحت مركز مهيمن.

وفي الشطر الجنوبي ، كشفت تجربة السنوات الماضية، وأحداث حضرموت والمهرة خصوصاً، أن استعادة حدود ما قبل 1990 لا تعني استعادة دولة ما قبل 1990. فالشرق ليس هامشاً ولا تابعاً لعدن، كما أن قضاياه وذاكرته السياسية ومصالحه لا يمكن اختزالها في مشروع سياسي جنوبي واحد. وأحداث ديسمبر أعادت إلى الواجهة ملفات ظلت معلقة منذ 1967.

المشكلة أن كل مشروع يرسم اليمن من مركزه: صنعاء تريد يمن يُقرأ من صنعاء، وعدن تريد جنوب يُقرأ من عدن، بينما تقول حقائق الحرب إن مأرب وتعز وحضرموت والمهرة وشبوة وغيرها أصبحت مراكز سياسية بحد ذاتها، لا مجرد أطراف تنتظر ما يقرره الآخرون.

لذا فإن خرائط الماضي لم تعد صالحة لبناء مستقبل اليمن؛ لأن الحرب أعادت تشكيل موازين القوة والهويات والمصالح، وأي تسوية تتجاهل هذه التحولات لن تصنع الاستقرار . والصيغة القابلة للحياة هي التي تعترف بهذا الواقع وتؤسس لشراكة حقيقية بين المناطق، بعيداً عن إعادة إنتاج مركز مهيمن وهوامش تابعة. وهذه ليست مناطقية.. بقدر ما هي شوية منطق.

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص